ابن عبد البر

151

الدرر في اختصار المغازي والسير

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من لي بابن الأشرف فإنه يؤذى اللّه ورسوله والمؤمنين ؟ فقال له محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول اللّه ، أنا أقتله إن شاء اللّه ، قال : فافعل إن قدرت على ذلك . فمكث محمد بن مسلمة أياما مشغول النفس بما / وعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من نفسه في قتل ابن الأشرف ، وأتى أبا نائلة سلكان ( 1 ) بن سلامة بن وقش وكان أخا كعب بن الأشرف من الرّضاعة وعبّاد بن بشر بن وقش والحارث بن أوس بن معاذ وأبا عبس ( 2 ) ابن جبر ، فأعلمهم بما وعد به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قتل ابن الأشرف ، فأجابوه إلى ذلك ، وقالوا : كلنا - يا رسول اللّه - نقتله . ثم أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول اللّه إنه لا بد لنا أن نقول ( 3 ) ، فقال : قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل ( * ) . ثم قدّموا إلى كعب بن الأشرف أبا نائلة ، فجاءه وتحدث معه ساعة ، وتناشدا الشعر . وكان أبو نائلة يقول الشعر أيضا ، فقال له / أبو نائلة : يا ابن الأشرف إني جئت في حاجة أذكرها لك فاكتم علىّ ، قال : أفعل . قال : إن قدوم هذا الرجل ( 4 ) علينا بلاء من البلاء ، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا . فقال كعب : أنا ابن الأشرف أما واللّه لقد كنت أحدثك يا بن سلامة أن أمركم سيصير إلى هذا ( * ) . فقال له سلكان : إني أريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق

--> ( 1 ) في ابن سيد الناس 1 / 303 أن اسمه سعد . ( 2 ) في ابن سيد الناس أن اسمه عبد الرحمن . ( 3 ) أي يقولون في الرسول ما لا يعتقدون خدعة له على سبيل جواز ذلك مع الأعداء في الحرب . * قلت : وهاهنا لطيفة ، وذلك أنهم استأذنوه عليه السلام في أن ينالوا منه بألسنتهم استدراجا للعدو فأذن لهم . وقد استقر أن النيل من عرضه عليه السلام كفر وأن الكفر لا يباح الا بالاكراه لمن قلبه مطمئن بالايمان ، وأين الاكراه هاهنا ؟ . والجواب عن ذلك أن كعب بن الأشرف كان يحرض على قتل المسلمين ، وكان في قتله صلاح وخلاص المسلمين من ذلك ، فكأنه أكره الناس على النطق بهذا الكلام ، بتعريضه إياهم للقتل ، فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع أن قلوبهم مطمئنة بالايمان . والحمد لله . ( 4 ) هذا الرجل : أي الرسول صلى اللّه عليه وسلم * وانظر كيف اقتصروا معه على المعاريض لأن البلاء يكون نعمة ويكون نقمة ، قال اللّه تعالى : ( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) . والمسلمون أرادوا بلاء النعمة ، والكافر ظن أنهم أرادوا بلاء النقمة . ولهذا قال بعض العلماء : لا يكون الاكراه عذرا الا عند المعاريض ، وهو صواب أن شاء اللّه .